الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
288
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ففي مثل هذه الموارد يكون الشخص كمن لم يتكلم أصلا . بناء على هذا يمكن أن تكون الآية الدالة على عدم السماح لهم بالاعتذار تقع وفق هذا المعنى ، أي أن اعتذارهم برغم خروجه من أفواههم ، إلا أنه لا فائدة ترجى منه . تنتقل الآيات الكريمة بعد ذلك للحديث عن أحد الموارد التي انتصر فيها الرسل نتيجة الحماية الإلهية والدعم الرباني لهم ، فتتحدث عن النبي الكليم ( عليه السلام ) : ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب . إن هداية الله لموسى تنطوي على معاني واسعة ، إذ تشمل مقام النبوة والوحي ، والكتاب السماوي ( التوراة ) والمعاجز التي وقعت على يديه ( عليه السلام ) أثناء تنفيذه لرسالات ربه وتبليغه إياها . إن استخدام كلمة " ميراث " بالنسبة إلى التوراة يعود إلى أن بني إسرائيل توارثوه جيلا بعد جيل ، وكان بإمكانهم الاستفادة منه بدون مشقة ، تماما مثل الميراث الذي يصل إلى الإنسان بدون عناء وتعب ، ولكنهم فرطوا بهذا الميراث الإلهي الكبير . الآية التي بعدها تضيف : هدى وذكرى لأولي الألباب ( 1 ) . الفرق بين " الهداية " و " الذكرى " أن الهداية تكون في مطلع العمل وبدايته ، أما التذكير فهو يشمل تنبيه الإنسان بأمور سمعها مسبقا وآمن بها لكنه نسيها . وبعبارة أخرى : إن الكتب السماوية تعتبر مشاعل هداية ونور في بداية انطلاقة الإنسان ، وترافقه في أشواط حياته تبث من نورها وهداها عليه . ولكن الذي يستفيد من مشاعل الهدى هذه هم " أولو الألباب " وأصحاب العقل ، وليس الجهلة والمعاندون المتعصبون . الآية الأخيرة - من المقطع الذي بين أيدينا - تنطوي على وصايا وتعليمات
--> 1 - يمكن أن تكون " هدى وذكرى " مفعولا لأجله أو مصدرا بمعنى الحال ، أي ( هاديا ومذكرا لأولي الألباب ) لكن البعض احتمل أن تكون بدلا أو خيرا لمبتدأ محذوف ، إلا أن ذلك غير مناسب كما يبدو .